أحمد مصطفى المراغي
19
تفسير المراغي
( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ) أي إن الملائكة على جلالة أقدارهم ، ورفيع درجاتهم لا يستطيعون أن يتكلموا في هذا اليوم ، إجلالا لربهم ، ووقوفا عند أقدارهم ، إلا إذا أذن لهم ربهم ، وقالوا قولا صدقا وصوابا . وفي الآية دلالة على أنهم مع قربهم من ربهم لا يستطيع أحد منهم أن يشفع لأحد أو يطلب منحة إلا بعد أن يأذن له ربه ، ولا يأذن إلا لمن علم أنه سيجاب ، لأنه يقول الصواب ، وإنما يكون الكلام ضربا من التكريم لمن يأذن له ويختص به ، ولا أثر له فيما أراده البتة . والملائكة مخلوقات غيّبها اللّه عنا ، ولم يجعل لنا قدرة على رؤيتها . فعلينا أن نؤمن بها وإن لم نرها ، ونصدّق بما جاء في كتابه من أوصافها غير باحثين عن حقيقتها . وبعد أن ذكر أحوال المكلفين في درجات الثواب والعقاب ، وبيّن عظمة يوم القيامة - أردف ذلك بيان أن هذا اليوم حق لا ريب فيه فقال : ( ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ) أي ذلك اليوم متحقق لا ريب فيه ولا مفر منه ، وأنه يوم تبلى فيه السرائر ، وتنكشف فيه الضمائر ، أما أيام الدنيا فأحوال الخلق فيها مكتوبة ، وضمائرهم غير معلومة . ( فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً ) أي فمن شاء عمل صالحا يقربه من ربه ، ويدنيه من كرامته وثوابه ، ويباعد بينه وبين عقابه . ثم زاد في تخويف الكفار وإنذارهم فقال : ( إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً ) أي إنا نحذركم عذاب يوم القيامة وهو قريب ، لأن كل ما هو آت قريب كما قال : « كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها » .